أخبار عاجلة
الرئيسية /5 اجنحة الابداع /5 لزهر والراقصة… بقلم : عبد العزيز الرباعي
لزهر والراقصة... بقلم : عبد العزيز الرباعي
لزهر والراقصة... بقلم : عبد العزيز الرباعي

لزهر والراقصة… بقلم : عبد العزيز الرباعي

 

لزهر والراقصة…

بقلم : عبد العزيز الرباعي

دخل “لزهر” قاعة الدرس وتوجه كعادته إلى آخرها حيث انزوى في ركن منها ليفتح حقيبته ويخرج منها كراسا وقلما ويروح ينظر إلى الأستاذ الذي كان يلقي الدرس دون أن يعيره أي اهتمام…
كان شارد الذهن منهكا .. سرح به خياله إلى ما حدث في البيت ليلة البارحة بين أبيه وأمه فأخذ شريط الأحداث يمر أمامه وأكنه شريط سنمائي… تذكر كيف عاد والده في ساعة متأخرة من الليل وهو في حالة مزرية من السكر والترنح ورائحة الكحول تفوح منه… وكيف توجه مباشرة إلى أمه ليوقظها بعنف ويطلب منها أن تمكنه مما بقي معها من مال لكي يعود إلى أصحابه لمواصلة السهرة… كانت أمه تبكي وتستغيث وتقسم له أنها لم تعد تملك فلسا واحدا .. لكن الأب لم يكن يصدقها.. فانهال عليها ضربا مما أيقظ أخته الصغرى التي أفزعها ما كان يحصل لوالدتها فراحت تصرخ وتبكي هي أيضا لبكائها مخفية وجهها بين كفيها الصغيرتين … أحس لزهر بعجزه عن فعل أي شيء .. فماذا يمكنه أن يفعل لينقذ أمه المسكينة .. كان هو أيضا يبكي ويطلب من أبيه أن يتوقف عن جنونه… لكن الأب كان في حالة من الهستيريا وفقد الوعي لم تسمح له بأن يحس بما يجري حوله… لم يدري كيف انطلق لزهر فجأة وتوجه نحو أبيه ليشده من قميصه ويوقع به أرضا وبنهال عليه ضربا… كان يصرخ من بين دموعه مرددا:
– كفى يا أبي.. كفى يا أبي… أنت تدمرنا يا أبي .. لماذا؟؟ لماذا؟؟
عندما انتبه لزهر إلى نفسه كان أبوه ممددا على الأرض والدماء تسيل من أنفه.. والقيئ الكريه يملأ المكان من حوله… أحس بحنق شديد على نفسه.. كيف تجرأ على أن يمد يده على أبيه؟؟ كيف يمكن أن ينظر في عين أبيه بعد اليوم.. احتقر نفسه.. أحس أنه قام بخيانة أبيه… التفت إلى أمه وأخته اللتان كانتا تنظران إليه في ذهول… لم يدر ما يصنع.. فلم يجد أمامه من حل سوى الفرار.. فأخذ محفظته ولبس قميصه وغادر البيت لا يلوي على شيء…
بقي يتجول في أزقة الحي إلى أن طلع عليه الفجر.. ولم يدر كيف حملته قدماه إلى المعهد .. ليجلس هناك تحت شجرة ينتظر حلول ساعة الدرس…
انتبه فجأة للأستاذ وهو يسأل :
– من يستطيع أن يقدم لنا تعريفا متكاملا لمفهوم حقوق الإنسان والمساواة؟؟
لم يتفاعل معه أي من التلاميذ.. كان الجو ثقيلا ذلك اليوم.. وكان الدرس مملا.. البعض كان يدون ما ينتهي إلى سمعه من كلام الأستاذ في حركة لا إرادية روتينية والبعض كان شاردا والبعض الآخر كان يتبادل الحديث.. حانت منه التفاتة إلى المقعد الذي كان يحتل الركن الآخر من القاعة حيث كان يجلس “أمير” ابن رجل الأعمال المعروف “سي الجيلاني” ذلك الفتى الوسيم الثري المدلل الذي كانت تحيط به أجمل فتيات الصف تبادلنه النظرات والهمسات واللمسات والضحكات … ثم نظر إلى نفسه وثيابه البالية ومظهره المقزز ورائحته الكريهة… ليشعر بالنقمة على نفسه وعلى كل المحيطين به.. ثم راح يسأل نفسه: ” لماذا يسعد هو بينما أعاني أنا الشقاء؟؟ أين العدالة؟؟ أين المساواة؟؟
ثم عاد إلى نفسه من جديد ليسألها: ” ثم ماذا يفعل من هم مثلي هنا؟؟ ما فائدة هذا التردد على المعهد؟؟ إن أمثالي لا نصيب لهم في العلم.. فحتى إن أتممت دراستي فإن أحدا لن يساعدني على الحصول على وظيفة.. ثم ما هي فائدة العلم في أيامنا هذه ؟؟ إن بعض الجهلة ينعمون بحياة أفضل آلاف المرات ممن قضوا حياتهم في طلب العلم.. إن أتفه فنان شعبي أو مروج بضائع مهربة أو ممنوعة يكسب في سنة ما لا يكسبه صاحب شهادة طيلة حياته في الوظيفة العمومية… أنا لم يعد لي مكان في هذا المعهد… ”
عندما وصل إلى هذا القرار أعاد كراسه وقلمه إلى المحفظة ورفع أصبعه وطلب الإذن بالخروج من أستاذه ثم غادر القاعة في هدوء دون حتى أن ينتظر ردا من الأستاذ…
كان للزهر رفيق دراسة قديم أصيل إحدى المدن الداخلية الحدودية انقطع مبكرا عن الدراسة للتفرغ للعمل بمسقط رأسه.. كان يعطف على الأزهر أحيانا ويعطيه بعض المال.. وقد طلب منه أكثر من مرة أن يلتحق به وأن يأتي للعمل معه لكنه كان يرفض أما اليوم فإنه قرر أن يبدأ حياة جديدة لذلك عقد العزم على التوجه إليه…
سر “لطفي” كثيرا بمقدم لزهر وسأله عن سبب الزيارة المفاجئة فأعلمه بفراره من البيت بقراره الجديد الذي انتهى إليه تفكيره وعقدالعزم على تنفيذه …
– كنت متأكدا أنك ستتخذ القرار السليم في نهاية المطاف يا صديقي … الدراسة والشهائد ليست لنا نحن أبناء الطبقات المحرومة نحن يا صديقي علينا أن نصنع أنفسنا بأنفسنا.. إما أن نأكل.. وإما أن نؤكل.. على ذكر الأكل يبدو أنك جائع ومتعب كثيرا … تعال نتناول أولا بعض الطعام ثم سنتحدث فيما بعد… لكن أولا أريد أن أعرف منك هل أنت متأكد من أنك لن تتراجع عن قرارك؟؟؟
– أبدا ومهاما حدث..
– أهلا بك في العالم الجديد صديقي عالم الحقيقة والواقع عالم المال والأعمال والحياة الحقيقة بدون أقنعة وبلا مساحيق حيث لا بقاء إلا للأقوى…
ومرت الأيام.. وأصبح لزهر رجل أعمال مشهورا في المنطقة يهابه الجميع رغم صغر سنه… لقد أصبح يمتلك مخزنا للبضائع وأسطولا من عربات النقل وفيلا جميلة… كان لا يخاف من القيام بأي أمر.. كل ما كان يهمه هو كسب المال.. لقد تعلم كيف يكون ذئبا بين الذئاب.. لقد أصيب بصدمة أول الأمر عندما اكتشف الوجه الحقيقي لعالم المال والأعمال والتهريب والتدليس والسرقة والتحيل… لقد اكتشف كيف أن الكثيرين ممن كان ينظر إليهم على أنهم صفوة المجتمع ونخبته ليسوا في الحقيقة سوى مجموعات من اللصوص الكبار الماهرين الذين يتحايلون على القوانين ويستخدمون الأساليب الملتوية من أجل الإثراء… اكتشف أنه وراء تلك المكاتب الفخمة والبدلات الباهضة ورباطات العنق الحريرية وحوشا ولصوصا لكنهم لصوص محترمون.. لصوص محترفون.. لصوص لا يراود أحد الشك في نزاهتهم ونظافة يدهم رغم أنهم أخطر الصوص.. ففهم من يومها أن هناك لصوصا محترمون.. لصوصا فوق القانون… لذلك قرر أن يكون منهم مهما كلفه ذلك…
لم يكن شيء ليردع لزهر عن تحقيق هدفه… لقد اقتنع منذ أن كان طالبا في السنة النهائية من التعليم الثانوي بكلام أحد أساتذته الذي أكد لهم حينها أن هذه الحياة ما هي إلا مجرد عبث في عبث وأن الكون برمته مجرد مجموعة من الصدف التي ستتلاشى يوما ما دون أن تترك أي اثر… والذكي والفطن هو من يغنم في حياته ويمتع نفسه إلى أبعد الحدود وويسعى إلى أن لا يحرمها من أي شيء قبل أن يطويها الفناء… منذ ذلك اليوم أصبح شعار لزهر في الحياة الغاية تبرر الوسيلة والغوص في الشهوات إلى أقصى ما يمكن أن يقدر عليه … لا يهم من أين يأتي بالمال أوماذا يفعل أوماذا يرتكب من جرائم من أجل أن يكدس الثروة ويحظى بالقوة والنفوذ ويحقق كل شهواته حتى الموغلة في التطرف منها … الأقوياء هم القانون… القانون لا يطبق إلا على الضعفاء والأغبياء … أما الأقوياء فإنهم فوق القانون دائما لأنهم هم من يضعون القانون للآخرين لكي يستعبدونهم ويمنعونهم من التمرد عليهم ويوهمونهم بأن المجتمع يجب أن يسير حسب نظام معين إن اختل خسر الجميع… والأغبياء يصدقون… ويصبحون أكبر الحرصين على التشبث بتلك القوانين التي وضعها اللصوص لهم … ولكن متى أخذ عامي حقا من صاحب نفوذ؟؟؟ فقط هم صغار اللصوص الذين يضحى دائما بهم أكباش فداء في بعض الأحيان أما الرؤوس الكبيرة فإنها أبدا في منعة من كل تتبع أو محاكمة أو قصاص…
اليوم يوم سعيد ومميز جدا بالنسبة للأزهر لذلك قرر أن ينظم حفلا كبيرا بمناسبة حصوله على عقد مهم سيسمح له باحتكار توريد نووع من قطع الغيار المطلوبة كثيرا في السوق والتي ستدر عليه أرباحا طائلة وستسمح له أيضا بدخول سوق الكبار… كان صديقه “لطفي” قد أصبح ذراعه الأيمن وصاحب أسراره.. طلب منه أن يقيم حفلا راقيا وأن يدعو إليه علية القوم وأن يحضر فرقة وترية وراقصة مشهورة ذاع صيتها في البلاد…
كان الحفل رائقا والأجواء منعشة… وكان “لزهر” يتنقل بين المدعوين في أبهى حلة وهو يجامل الجميع ويتجاذب معهم أطراف الحديث .. بدأت الفرقة العزف.. وتناثرت الموسيقى العذبة في الأرجاء لتزيد من انتشاء الحاظرين.. كان لزهر شديد السرور بما حققه… لقد وصل إلى ما كان يصبوا إليه ووضع قدمه على أول درجة من درجات سلم المجد.. هو الطفل الفقير الهارب من ظلم أبيه من كان بالأمس لا يجد ثمن قطعة الخبز والذي كانت أمه تظطر للعمل عند الأجوار للحصول على بعض الملاليم من أجل شراء بعض الأغراض لأأولادها والتي كان أغلبها يذهب في بطن أبيه السكير…
فجأة توقف العزف وأخذ أحد العازفين المصدح ليعلن عن خروج الراقصة العالمية صاحبت الصيت الكبير في البلاد وخارجه الفنانة “صافيناز” التهبت أكف الحضور بالتصفيق… وبدأ العزف وخرجت الراقصة إلى الجمهور وأخذت تتلوى مثل ثعبان.. كانت شابة على غاية من الجمال والرشاقة شهية غضة كأنها قالب منالحلوى المطعم بالشكلاطة البيضاء …كانت حركاتها تثير غرائز صاحب أكثر الأعصاب برودة … تنقلت الراقصة بين الحظور وهي تنط مثل الغزال وقد شدت إليها الأنظار وسحرت من حولها الألباب إلى أن اقتربت من الطاولة التي كان يجلس إليها “لزهر” بين ثلة من شركائه وأصدقائه وفجأة جاءت عين لزهر في عين الراقصة وإذا به ينتفض من مكانه.. وإذا بها هي أيضا تتوقف فجأة عن الرقص كأنها أصيبت بصعق كهربائي…أ يعقل هذا؟؟
أي صدفة هذه لم تكن تخطر على بال ..إن الراقصة لم تكن سوى أخته الصغرى
“عزيزة” التي لم يرها منذ أن غادر البيت من دون رجعة…
يال هول الأقدار…

عن اريج تونس

شاهد أيضاً

الدكتور حكيم...

الدكتور حكيم…

الدكتور حكيم… عندما كنت صغيرا أذكر مرة أن مادة “الحمص” شحت كثيرا بالأسواق.. فارتفعت أسعارها.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: