أخبار عاجلة
الرئيسية /5 دراسات /5 في المسرح والتُّرْجُمان :قراءة أوّلية في مُتَرْجَمات المهرجان ودعوةٌ إلى تقويمِ المُنجَز واستشرافِ امتداداتِه
في المسرح والتُّرْجُمان :قراءة أوّلية في مُتَرْجَمات المهرجان ودعوةٌ إلى تقويمِ المُنجَز واستشرافِ امتداداتِه
في المسرح والتُّرْجُمان :قراءة أوّلية في مُتَرْجَمات المهرجان ودعوةٌ إلى تقويمِ المُنجَز واستشرافِ امتداداتِهالدكتور محمد المديوني

في المسرح والتُّرْجُمان :قراءة أوّلية في مُتَرْجَمات المهرجان ودعوةٌ إلى تقويمِ المُنجَز واستشرافِ امتداداتِه

في المسرح والتُّرْجُمان :قراءة أوّلية في مُتَرْجَمات

المهرجان ودعوةٌ إلى تقويمِ المُنجَز واستشرافِ امتداداتِه

 

 

مداخلة الدكتور محمد المديوني في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي بتاريخ يوم : 17 – 9 – 2018

مدخل :

في الاحتفاء بالمسرح التجريبي ومهرجانه

إنّ في الاحتفال باليوبيل الفضِّيّ للمهرجان تذكيرًا، لا شكّ، بعراقته؛ ولكنّ في هذا الاحتفاء، كذلك، تعبيرًا عن حاجة إلى النظر في ما حصُل فيه من تراكمات لا تَكْتَسِب هذه العراقةُ معناها العميق من غير الوعي بتلك التراكمات. فعلى أساس ذلك، وحده، يُعاد امتلاك المشروع الذي عليه قام هذا المهرجان؛ فكلّ مشروع هو في حاجة، حتى يكون ويَسْتَمِرّ، إلى أن يتبيّن القائمون عليه الأُسُسَ التي عليه نشأ والمسارات التي بها مرّ؛ فذلك وَحْدَه الذي يُمكن أن يسمح باستشراف آفاقِه وبرسْمِ سَمْتِه التي تُميِّزُه وتَهَبُه مشروعيَّةَ اِستمرارِه.

ولعل أوّل ما يَلْفت الانتباه في هذا المهرجان هو اسمه الذي لم يكتف واضِعوه فيه بتحديد موقِعه – القاهرة – والمهرجانُ أيًّا كان هذا المهرجان هو قبل كلّ شيء موعدٌ يُضْرَبُ في مكان بذاته. ولم يكتفوا، كذلك، بإبراز امتداداته من خلال نعتِه بِـ ” الدولي” وهو ما أوْحوْا من خلاله بالحاجة إِلى الخروج به عن المحلّيّ والإقليميّ والقوميّ و تطلّعوا إلى فَتْحِـه على ما هو عالمِيّ، سواءً من خلال جِنْسِيَّة من يُسْتضافُ للمشاركة فيه أو من خلال طبيعة النِّتَجات الفَنِّية التي تؤثّث برامِجَه؛ وهذه السمة، وإن رفعت من شأن تطلّعات انتشار المهرجان وإشعاعه فإنّه يصعب اعتبارها سمةً تُميِّزه عن غيره من المهرجانات في مصر وخارِجها. لكنّ السِّمةَ الأهمَّ في هذا المهرجان إنّما هي طبيعة المسرح المعنِيِّ بِهِ والمُقْتصَرِ عليه: فلقد حُدَّ المسرح المقصود بِسِمة “التجريبي”. ولعلّ في هذا يُمكِن أن تـَكْمُـنُ طرافَتُهُ على المستوى العربيّ وغير العربي. فهو، بحكم هذه السمة، يخرج عن المهرجانات العادية ويندرِجُ ضمن المهرجانات المُتخصّصة.

ولعلّ من شأن هذه السمة أن تُوَجِّه الدارسين والمتابعين له إلى التركيز، بصورة أساسيّة، عند النّظِر في هذا المهرجان على هذه السّمة التي اختار باعثوه والمشرِفون عليه أن يميّزوه بها، فيَعْمَلون، من ناحية، على الوقوف على الدواعي التي دعت باعثيه إلى ذلك الاختيار بالذات في إطار الظروف التاريخية التي كانت تمُرّ بها، آنذاك، مصرُ والبلادُ العربية وفي ظلّ واقع الحركة المسرحية المصريّة والعربيّة آنئِذٍ. وينظر الباحِثون، من ناحية ثانية، في ما اتبعه المشرفون على هذا المهرجان من المسالك وفي ما ابتكروه منها حتى يُنجِزوا ما يُلْزِمهم به هذا التخصُّص [المسرح التجريبي ]، وذلك سواء على مستوى البرمجة المسرحية أو على أصعدة الندوات الفكرية والورشات الفنّية.

ومن الطبيعي، كذلك، أن يُستأنس بمهرجانات أخرى أعلنت اختصاصها في “المسرح التجريبي” سواء منها السابقة لمهرجان القاهرة أو اللاحقة به؛ فلئن كان الأوّل في المنطقة العربية فإنّه مرتبط بصورة أو بأخرى بالفكرة القائمة وراء هذا النوع من المهرجانات ومُسهِم في انتشارها؛ فمعلوم هو العدد المتصاعد للمهرجانات المُعلِنة اختصاصها ذاك في العالَم وفي البلاد العربية. ولنا، مثلا، في “مهرجان جامِعة ميشّيغان الدولي للمسرح التجريبي” الناشئة فكرته سنة 1972 والمنطلقةِ دَوّراتُه منذ شهر فيفري 1974 نموذجٌ للمهرجانات الأمريكية الحَرِيّة بالنظَر في الدواعي إليها وفي المسالك التي اتبعتها؛ ولنا في ” مهرجان مدينة “هو شي منه” للمسرح التجريبي” المنطلقة دوراته سنة 2002 نموذج آسيويّ ولنا في مهرجان المسرح التجريبي بمدنين البالغ هذه السنة دورته الواحدة والعشرين نموذج عربيّ .

وإنجَاز بحوث مُقارَنة لا يُقْصَدُ من ورائها المفاضلة ولا يُنتظرُ منها أنْ تُقدِّم هذا المهرجان أو ذاك على البقية، وإنما يسعى العمل المُقارن إلى الوقوف على الدلالات التي اكتسبها مفهوم “المسرح التجريبي” في مهرجان القاهرة لا من خلال الخطاب الفكري والفني المُحَايِثِ للمهرجان فحسب، وإنّما من خلال الاختيارات التي قامت عليها المسارات الفعليّة للمهرجان مقارنة بما كان عليه الأمر في المهرجانات الأخرى المُعلنة الاختصاص ذاته، ولعلّ في ذلك ما يُساعد على الوقوف على ما اكتسبه المفهوم الكامن وراء هذا المهرجان [ “المسرح التجريبي” و”التجريبية في المسرح” ] من تحوُّلات من شأنها أن تُغني الكلام في الموضوع باعتبار اختلاف وِجهات النظر و/ أو التقائها حوله.

ثم يمكن أن يُنْظَر، كذلك، في صدى هذا المهرجان – مهرجان القاهرة – وصدى المشروع الذي قام عليه في المسرح في مصر وفي البلاد العربية وذلك من خلال رصد التحوّلات التي عرفها الخطاب النقدي والإعلامي والإبداعي في مصر وفي البلدان العربية.
وإنجازُ مثلِ هذه المهام أمرٌ غاية في الأهمّيّة لا في خصوص هذا المهرجان فحسب وإنّما في مجال الدراسات الثقافية على المستوى المصريّ والعربيّ. غير أنّ تحقيق ذلك، بصورة جِدّية، أمْرٌ غير ممكن، البتّة، ما لم تتضافر الجهود وتتعدّد المقاربات. ولعلّ ما سيُقَدّم في هذه الندوة من بحوث سيلقي بعض الضوء على أهمّ المسائل الكامنة ويَرْسُم، خاصة، المسالك المؤدّية إلى الوقوف على أبعاد هذه التظاهرة في مختلف جوانبها.

في هذا الإطار نُنَزِّل إسهامنا هذا، واعين بالحاجة إلى الذهاب في ذلك بعيدًا، وآملين أن تكون محاولتُنا هذه منطَلقًا لأبحاث أُخرى آتية.

مدار البحث

لقد رأينا أن نجتنب المسائل العامة المتعلّقة بالمفاهيم وبدلالاتها، على أهمّيتها وعلى تَجَدُّد تجلِّياتها، خاصة وأنّه سَبِق لنا أن خُضْنا غمارَ البحث في هذه المسائل أكثر من مرّة ، ونُوجّه جهودنا إلى بُعْدٍ بذاته من هذا المهرجان. لقد اخترنا أن نُركّز على منْجَزٍ من مُنجزات المهرجان الفِعلية الملموسة قدْ شَكّل ميزةً تكاد تُميّز مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي وَحْدَه بين مختلف المهرجانات المسرحية لا على الصعيد العربي فحسب، وإنّما على مستوى أوسع. وتتمثّل هذه الميزة في الموقع الذي احتلّته الإصدارات من منجزاته. وعندما نتكلّم عن الإصدارات لا نُدْرِجُ ضِمنها إلا الكُتُبَ وَحْدَها، فلا تعنينا، مَثَلًا، النشريّات المُختلفة التي لا تغيب عن أيّ مهرجان من المهرجانات.

لقد بلغ عددُ ما أصدره المهرجان في دورته الثانية والعشرين، سنة 2002، من الكُتُب 327 كتابًا . تمّ نشرُها بمناسبة انعقاد مختلَف دوراته؛ وبدا إنجاز هذه الكتب جميعها بطلَبٍ من المشرفين على المهرجان وخاضعَةً لِخياراتهم ومُندرِجَةً ضمن البرامج التي سطّروها له. ونَشْرُ 327 كتابًا في هذه المدّة يعني أنّ مُعدّلَ ما كان ينشَرُ قد ناهز 15 كتابًا في كلّ دورة من تلك الدورات. ونشر هذا العدد من الكتب بهذا التواتر والاستمرار وبهذا المُعدّل، وطيلةَ أكثر من عِقدين، من شأنه أن يُنزّل المهرجان منزِلةً لا يُمكن أن يُسْتَهان بها بين دور النشر عامة وأن يَضَعَه في موقِع مُتَقَدّم جدًّا بين دور النشر المُتخصّصة في مجال المسرح وفنونه؛ فنادرةٌ هي دُورُ النّشرِ التي تُقْدِمُ على إصدار مثل هذا العدد من الكُتُب المُوَجَّهَةِ كلّها إلى المسرح في مختلف صُوَرِه وتجلّياته.
وإذا ما نَظَرنا في نوعية هذه الكتب تبيّن لنا أنّ أغلبيّتَها الساحقة، حتى لا نقول كلّها، هي من باب الترجمات إلى اللغة العربية وهذه السِّمة تُنزّل المهرجان منزِلةً مُحترمة بين المؤسّسات المعنيّة بالترجمة، عامة، في مصر والبلاد العربية وفي موقِع الصدارة عندما يتعلّق الأمر بترجمة الكتب المسرحية إبداعًا ونقدًا وتنظيرًا.

والتعويل على الترجمة بهذه الصورة لا يُمكِن أن ينشأ إلا عن خيارات بيّنة قائمة في ذهن المشرفين على هذا المهرجان. ولا يمكِن إلا أن تَدُلّ عن انشغالاتٍ بذاتها تَبَلْوَرَتْ في شكل برنامج ما انفكّ يُنجَز، طيلة تلك الدورات، بصورة واعية. فهل تتطابق هذه الانشغالات مع السمة التخصُّصية التي ذكَرْنا أو تُراها تَتَعدّاها وتخرُج عن إطارِها ؟
إنّ ما لا يُمكن أن يغيب عن النّظر هو أنّنا أمام مُنْجَزٍ قائمٍ تراكمت مُكَوِّناتُه تراكمًا يدعو الباحثين إلى النظر فيه ويَحُثُّهم على تدبُّرِه بما يسمح بتحديد ملامِحه تحديدًا دقيقًا ويحُضّهم على السعي إلى الوقوف على ما دعا إليه والنظر في الغايات المعلنة له والكامنة فيه، من ناحية، وإلى قراءة المنطق الذي حكم اختيارات تلك الكتب دون غيرها في مختلف الفترات التي مرّ بها هذا المهرجان، من ناحية أخرى.

وقبل الخوض في معالجة هذه المُدوّنة، يجب أن نُسلّم، منذ البداية، للمشرفين على المهرجان ولمُسَيِّريه ِباندراجهم، بفعلهم ذاك، ضمن من آمنوا بالدور ” الذي لَعِبَتْـه الترجمةُ وتلعَبُه في إغنـاء الثقافات، فمِن خـلالها تراكمَت المعارفُ الإنسانية وبفضلها تطوّرت مضامينُها، العصرَ تلوَ العصر، وترقـَّـقـَتْ نتائجُها وأبعادُها. واكتسبت اللغاتُ المُـتَـرْجَمُ منها والمنقول إليها، عبر فِعل الترجمة، عُمْقـًا وكثافـةً رسّخَتْـها لدى المنتمين إليها والمستعمليـن لهـا. بل تكادُ تُقاس درجةُ الحراك والحيوية في هذه اللغة أو تلك، في عرف المؤرّخين والفلاسفة، بدرجة يَقَظَة أصحابِ تلك اللغة لما يُنْجـَزُ في غيـرِ لُغتهـم من منجزات وبمدى سُرْعتهم وكفاءتهم في نقلها إليها، إذْ لا طريق إلى استيعاب تلك المنجزات إلاّ التوفيقُ في نقْلها إلى منطقِ منطوقـِهِم ومكتوبِهِم. والمسرحُ لا يخرج عن مجالات هذه المُنجزات ولا يُسْتَثـْنَى منها ” بل لعلّ هذا الفنَّ هو الأحرى بها والأكثر حاجَةً إليها في ثقافة العرب وحضارتهم. أليس المسرح في صورته المتعارفة فنًّا وافِدًا، دخيلًا، لا موروث له في اللغة العربية؟ ألم يأخذ هذا الفنّ الناطقين بلغة الضاد إلى عوالمه الفسيحة والمتداخلة من خلال حركة الترجمة بمختلف مستوياتها منذ عهد الروّاد في القرن التاسع عشر؟ ألم يُنَزّلهم في صميم حركة التثاقف المنفتحة على الآخر والمُغرية بالاندراج في مسارات كونية بصورة واعية أو غير واعية ؟
لقد رأينا أن ننطلق في محاولتنا معالجةَ هذا المنجز الذي حقّقه المهرجان من عيّنة عوّلنا فيها على ما اطّلعنا عليه من هذه الإصدارات وما استأنسنا بما ورد في الكتاب الموسوم بـ : “حصاد مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي خلال دوراته العشر (1988 – 1998)” من مسارد وقائمات كتب؛ ومدّة عشر سنوات من بين اثنين وعشرين سنةٍ هي عيّنة أكثر من ممثّلة، كمّيًّا، لما صدر خلال الفترة في مُجملها؛ والنتائج الصادرة عنها لا يمكن، نوعِيًّا، أن تكون بعيدة عن السمات الجامعة للمُدَوّنة النّصّيّة في مجملها، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار سمةَ الاستمرار في تسيير هذا المهرجان خلال الفترة المذكورة تلك كُلِّها؛ فلقد كان وزير الثقافة خلال دورات هذه العشرية وخلال الدورات اللاحقة هو ذات الوزير ( أ. فاروق حسني ) وكان رئيس المهرجان هو ذات الرئيس ( د. فوزي فهمي ) .

وانطلاقًا من ذلك، بدأنا بِإنجاز جَدْوَلٍ إحصائيٍّ نوعِيّ يحوي عددًا من المعطيات الخاصة بهذه العيّنة وعمِلنا على تنميطها باعتبار عدد من سماتها الدّالّة. لعلّ في قراءة هذا الجدول ما يسمح لنا بأنْ نستشفّ بعضًا ممّا قام عليه المنطق الذي حكم نشر هذه المنشورات؛ لكنّ ذلك سوف لن يمنعنا من العودة إلى ما صدر من الكتب خلال الدورات اللاحقة وَلا من النظر في سماتها وما تَدُلّ عليه، كلّما دعت الحاجة إلى ذلك وكلّما رأينا الأمر مفيدا للبحث، مشيرين إلى ذلك في هوامش دقيقة.
لننظر في هذا الجدول :

الدورة التأليف ترجمة ترجمة المجموع

ك. نظرية مسرحيات
1989 01 02 01 04
1990 = = = = = = = =============
1991 01 05 01 07
1992 00 05 05 10
1993 00 07 04 11
1994 00 10 02 12
1995 00 09 03 12
1996 00 12 02 14
1997 00 13 03 16
1998 01 16 01 18
المجموع:03 79 22 104

جدول: توزيع الإصدارات باعتبار طبيعتها خلال 10 سنوات

ما يمكن أن تُعبّر عنه المعطيات الوارِدة في هذا الجدول وعلى النحو الذي وردت عليه ؟
أول ما يتجلّى في هذا الجدول هو السمة التصاعدية التي عرِفَها نسَقُ الإصدارات؛ فلقد انطلقت المنشورات في الدورة الثانية، لا الأولى، وكان عددها 04 كتب في تلك الدورة (سنة 1989) وما انفكّ عددُها يتصاعد شيئًا فشيئًا وبصورة منتظمة ليصل إلى 18 كتابًا في الدورة العاشرة (سنة 1998). وهو ما يعني أنّ الأمر أُنْجِز بِرَوِيّة ودون تسرّع ولاقى ظروفًا أسْهمت في تأمين هذه الإصدارات ومضاعفة عددها. ويبدو أن من بين ما أسهم في ذلك هو اندراج مؤسّسة “أكاديمية” في هذا المشروع. لقد أصبح ذِكْرُها متواترًا في تلك الإصدارات انطلاقًا من سنة 1993، هذه المؤسسة هي: “مركز اللغات والترجمة بأكاديمية الفنون” ؛ وهو ما يعني أنّ مشروع الإصدارات في هذا المهرجان أصبح مُحرِّكًا لمؤسّسةٍ جامِعيّة قائمة ومُوَفّرًا لها حيِّزًا يفتحها على فضاء عموميّ أوسع من فضاء الجامِعة، وهو ما يعني، كذلك، أنّ هذه الإصدارات قد مَكّنت المهرجانَ من الاستفادة من الطاقات المعرفية المتوفّرة في الجامعة التي يُمثّلها الأساتذة بمختلَف درجاتهم وكذلك من الرصيد البحثي المفتَرَض توَفُره فيها، إن كان يلتقي مضمونه مع مشروع الإصدارات وهو أمر وارد جِدّا . وهو ما يعني، في النهاية، قيامَ علاقة تَشارُكية من شأنها أن تفيد المؤسّستين معًا. وبالنظر في الغلاف الثاني لمختلف الإصدارات نتبيَّن أن الأمر لم يقف عند هذا الحَدّ وَحْدَه إذ نقف على نقاط تماسّ وتفاعل بين المهرجان ومؤسّسات عمومية أخرى، منها ما هو عِلْميٌّ ومنها ما هو ثقافيّ وإداريّ. فإلى جانب تشريك أكاديمية الفنون الراجعة بالنظر إلى وزارة الثقافة، صاحبة المهرجان، والتي كان يرأسها رئيس المهرجان نقف على حضور مؤسّسة أخرى من مؤسّسات وزارة الثقافة حضورا أساسيًّا ومؤثِّرًا؛ هذه المؤسّسة هي ” المجلس الأعلى للآثار ” وذلك من خلال مطابعها وبفضل خِبرة العاملين فيها فلقد أُوكِل أمرُ الإنجاز المادّيّ والفنّي لِهذه الإصدارات إليها. وهذا الأمر يَشِي بأهمّية الدّعم الصادر عن مؤسّسة الدولة الوطنية للمهرجان وللمشروع الذي يحمله ويجسّد انخراطها فيه، من خلال مؤسّساتها العمومية، من ناحية، ويُجسّد، من ناحية أخرى، شكلاً من أشكال الحَوْكمة يقوم على الانتفاع من الإمكانيّات المتوفّرة في القطاع العمومِي ومؤسّساته خدمة للمشاريع القائمة. وبيِّنة هي المنافع العملية والاقتصادية في مثل هذه الحَوْكَمة. وبيّنٌ هو فضلُ ذلك كلِّهِ على ضمان استمرار المهرجان واتّصال مساراته.
الملاحظة الثانية التي تدعو إليها مُعطيات هذا الجدول هي الغلبة المُطْلقة للترجمة في هذه الإصدارات، فلم يتعدّ عدَدُ ما أُلّف أو اُعِدّ، خلال العشر سنوات، ثلاثة إصدارات من بين الإصدارات المائة والأربعة التي تعنينا؛ فيبدو “التأليف” بمختلف معانيه أمْرًا استِثْنَائِيًّا لا يندرج ضمن الآليّات المُعوَّلِ عليها لإنجاز المشروع؛ بل غالبًا ما كان الأمرُ مرتبِطًا فيه بظروف بذاتها حتّمَتْ مثل تلك الإصدارات. كان العنوانُ الأوّل في هذه الإصدارات منسوبًا إلى سمير غريب؛ كان – كما يَدُلّ عليه عنوانُه – عبارةً عن ” تقديم للدورة الثانية من المهرجان “ ، أمّا العنوان الثاني فهو ” تجارب في المسرح العربي” تأليف محمد الرفاعي ، أمّا النصّ الثالث في هذه الفترة فهو “المسرح التجريبي الحديث لفرحان بلبل” … ” أُلّف خِصّيصًا للمهرجان” . ومن الكتب المؤلّفة التي ارتبطت بظروف بذاتها يمكن أن نذكر كتابًا صدر بمناسبة الدورة الخامسة عشر (15) موسوم بـ : “ أرثر ميللر والخروج عن المألوف” ولقد أشير في أعلى غلافه الأوّل إلى أنّ نشرَ هذا الكُتيّب قد تمّ “بمناسبة رسالته [أرثر ميلر] لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي” كما صدر في الدورة 17 كتاب ارتبط بحادثة أليمة راح ضحيَّتَها عددٌ من رجال المسرح المصريّين إثر حريقٍ شبَّ بقاعة عروض في إحدى قرى مصر ” أُطلِق على هذا الإصدار عنوانَ : “كتاب تذكاري إلى شهداء الفنّ والواجب، دراما الخامس من سبتمبر” . كلّ هذا يؤكّد أنّ الترجمة هي المجال الأساسيّ في هذه الإصدارات وهي الآلية المعتمدة في هذا المشروع لإنجاز غاياته.

الملاحظة الثالثة تتعلّق بقائمة المترجمين أو مَنْ أُوكلت إليهم مهام الترجمة. تكشف المُعطيات أنّها مكوّنة من باحثين ومُبدعين مصريّين من أجيال مختلفة. ويبدو المهرجان، بالنظر في الأسماء الواردة، قد نجح في استقطاب أهمّ الكفاءات العلمية المِصريّة وَحْدها في مجال المسرح واللغات لتنخَرط في المشروع الذي أقامه هذا المهرجان من خلال هذه الإصدارات. فنقف على أسماء فنانين وأكاديمِيّين بارزين لهم مواقع مؤثّرة في الجامعة وفي الحياة الثقافية والفنّية المصريّة. نجد أمثال هدى وصفي وسمير سرحان وأحمد سخسوخ ورفيق الصبان ونهاد صليحة وسعد أردش وأحمد عبد الفتاّح ومحسن مصيلحي وأسامة أبو طالب وابراهيم حمادة و… حسن عطية… ينضمّون إلى المشروع منذ بدايته ترجمةً أو مراجعةً للترجمات؛ ويستمرّ عطاء هؤلاء وأمثالهم في الدورات اللاّحقة. وينجح المهرجان، كذلك، في جرّ الكفاءات الصّاعِدة من بين الباحثين الشّبّان والباحِثات الشّابات وفي توفير فُرَصٍ تسمح لهم بالبروز وبالاحتكاك بأساتذتهم؛ وسيكون لذلك أثَرُه الهامّ في مستقبل عدد منهم في مجال الفنّ والترجمة. والناظر للأمر لا يراه إلّا حاصلا عن اختيارات استراتيجية وعن تخطيط دقيقٍ ومتابعة مُتّصِلة. ويتجلّى هذا الأمر، بشكل خاص في:

  • 1- التعويل على الكفاءات المِصريّة، وَحْدها، سواءً من بين الأساتذة الكبار المُسلَّم لهم بالمعرِفة [ولقد سبق أن ذكرنا بعضًا من هؤلاء] أو من بين النّاشئين الصاعدين. ويكون ذلك من خلال تحسيس الأوائل بأهمّية الرهانات القائمة وراء المشروع وإبراز أهمّية خِبرتهم في تحقيقها و”توريطهم” فيه؛ وبالعمل، بالنسبة إلى الشباب على انتقاء المتفوّقين منهم ومِمّن له كفاءات كامنة في حاجة إلى البروز. ولنا في “نورا أمين”، مثلاً، نموذج من نماذج أولئك الشباب، فلقد انطلقت مع دورة سنة 1993، مع نشأة “مركز اللغات والترجمة بأكاديمية الفنون” في الإسهام في مشروع المهرجان من خلال ترجمة كتابٍ كلَّ دورة بشكل يكاد يكون مُتّصلاً فلقد ترجمت خمس (5 ) كتب إلى حدود سنة 1998، آخر سنوات العيّنة التي نحن بصددِ تحليلها. ويبدو “مركز اللغات والترجمة بأكاديمية الفنون” السابِق ذِكْرُه بمثابة أداة ناجعة في استقطاب الشباب وتأطيرهم للنجاح في مهامّهم.
  • 2- العمل على الاجتهاد في تنزيل المُترجمات المُنْجَزة ضمنه في إطارِ ما سبق أن تمّ إنجازُه في مصر وربطها بالكفاءات المصرية. وبَيِّنٌ أن وراء ذلك أكثر من غاية، لعلّ أهمَّها التذكير بما أُنجز من قِبَلِ المصريّين وإبراز التراكم المعرفيّ الحاصل في مصر في هذا المجال وتأكيد الثقة في الذات والحثّ على السير على منوال السابقين بعد الاطّلاع على ما أنجزوه ثم الإسهام في إبرازه و – لِمَ لا – تطويره. ويُمْكِننا أن نقف على بعض مظاهر هذه الاختيارات الاستراتيجية الواعية من خلال النظر في كتاب “المستَغرب في فن الممثّل” لدونيس [كذا] ديدرو ترجمة : نورا أمين .



    نقرأ في النصّ الذي صدّر به د. فوزي فهمي رئيس المهرجان هذه الترجمة ما يلي : ” وعندما كَلَّفْتُ المعيدةَ الموهوبة بمركز اللغات والترجمة بأكاديمية الفنون نورا أمين بترجمة هذا الكتاب، على الفور تذكّرتُ مقال الأستاذ حمدي غيث، والذي مرّ على كتابته حوالي 48 عامًا، ورأيتُ أن نُعيد نشر المقال كامِلًا، رغم أنّ الحديث عن ديدرو يُعدُّ جُزْءًا منه، لكنّي آثرتُ عدم الاجتزاء وحجّتي أنّ المقال [ يتكلّم ] عن التكامل المسرحيّ الذي يُعَدُّ المُمثّل ضِلعًا أساسيًّا فيه” . تَنْطق هذه الفقرة، من ناحية، بحضورٍ صريح لسلطة معرِفية وإدارية تتجلّى في: قرار التكليف بالترجمة؛ مقياس القرار النابع عن تقدير وتقويم للمكلّفة بهذه الترجمة: الموهبة؛ وتنطق إلى جانب السلطة المعرفية تلك بشاغلٍ حتّم عليه تحديدَ بِنْيَةِ الكتاب والصورةَ التي سيكون عليها مع قرار التكليف بل ولعلّ ذلك تمَّ قبله. وتنطلق هذه السلطة المعرفية من شاغِل مرتبطٍ بِالمنطلق الاستراتيجي الذي أشرنا إليه والمتمثّل في ربط ما يُترجَم من الكتاب بمنجزات المصريين السابقة، كلّما كان ذلك ممكِنًا، بل وحتى إن تطلّب الأمر شيئًا من التجوّز، وهو ما أقرّ به في نهاية الفقرة عندما كتب : “رغم أنّ الحديث عن ديدرو يُعدُّ جُزْءًا منه ” فلم يمنعه وعيُه بأنّ المقال ليس مرتبِطًا كلّ الارتباط بنصّ ديدرو من أن يُدْرِجَه في القسم الأوّل من الكتاب لِيحتلُّ ما يقارب رُبْعَ متن النصّ المُترجَمِ، ما دامت الفُرْصة سانحةً، في تقدير د فوزي فهمي، للتذكير بمقال الأستاذ الكبير وَوَضْعِه في متناول قرّاء هذا العصر من المصريّين والعرب.
    ولقد بدت المُترجِمة واعيةً بموقِعها وعارفةً بما هو مطلوبٌ منها ومُستفيدةً ممّا أتيح لها. فلقد تبنّت، مثلا، الترجمة التي أطلقها حمدي غيث على نصّ دوني ديدرو فارتأى استعمال ” المستغرب في فنّ المُمثّل” ترجمة للعنوان الأصلي وفي هذه الترجمة بعدٌ عن صيغة العنوان الأصليّ واجتهاد في تأويله ، ولم ترَ داعيًا للخوض في تعليل تبنّيها ترجمة حمدي غيث تلك.
    وإنّنا، إذ نعتبر هذه الخيارات خياراتٍ مشروعةً، نجد لها ما يُبَرِّرها، إذ يبدو منظّمو هذا المهرجان معنيّين في الدرجة الأولى بخدمة الثقافة في مصر وإبراز منجزات مثقفيها، من ناحية، ولا أحَد يُمكِنُه إنكار ما تراكم من مُنجزات في مصر منذ عهد النهضة ولا أحَد يُنْكِر جهودَ المثقّفين المصريّين، على تفاوت عمق تلك المجهودات. وهم مدعوّون، من ناحية ثانية، إلى تحقيق إجماع حول المهرجان ومشروعه من قِبَل الفنّانين والمثَقّفين. ومثل هذا التوجّه لا يتعارض بالضرورة مع خدمة الثقافة العربية والتفاعل مع منجزات العرب في مختلف الأقطار.
    وأمّا عن نوعيّة النصوص المترجمة وطبيعتها فتدل المعطيات الواردة في هذا الجدول على تفاوت كبير بين نوعيّتيه الأساسيّتيْن: لا يكاد يناهز عددُ النصوص المسرحية المُتَرْجَمة خُمُسَ مجموع ما نُشِر (22 إصدارًا من 104) ولا يتعدّى رُبُعَ عدد الكتب المُخصّصة للبحوث والتنظيرات ( 22 مجلّدًا مخصّصًا للنصوص المسرحية مقابل 79 للكتب النقدية والتنظيرية) ؛ وبالنظر في ما تُرجِم من النصوص المسرحية يتبيّن أنّها بدت في الدورات الأولى وكأنّ تلك النصوص المسرحية مقصودة في ذاتها باعتبار طرافتها أو باعتبار سمات أصحابها شأن مسرحيّة “ماكبث” ليوجين يونسكو الصادرة في الدورة الثانية سنة 1989 وشأن “ثلاث مسرحيات لأميري بركة” Amiri Baraka” الشاعر والرّوائيّ والمسرحيّ والمناضل الزنجيّ الأمريكي الصّادر في الدورة الثانية سنة 1991، والعنوان المُطلَقِ على الكتاب دالٌّ، وَحْدَه، على أنّ الأهمّ إنما هو الكاتِب لا عناوين المسرحيات المعنيّة؛ والأمر ينسحِب، كذلك على الكتاب الموسوم بـ مسرح” داريو فو”Dario Fo الممثل ورجل المسرح الساخر والمتمرّد على الوضع القائم صدر هذا الكتاب في الدورة ذاتها. ولا يكاد يختلف الأمر في خصوص كتاب ” أيام كاملة تحت الأشجار” لمارقيريت دوراس الصادرة سنة 1992، إلّا أنّ النّاظر في ما حصُل في السنوات اللاحقة يقف على أنّ ذلك التوجّه قد تغيّر فأصبحت ترجمة تلك النصوص غيرَ مبنية، في الأغلب، على سماتها في ذاتها وإنّما أصبح ذلك مندرِجًا ضمن المسائل المُثارة التي تمّ تحديدُها بناء على المواضيع الجامعة التي كانت تُختار في هذه الدورة أو تلك. كذا كان الأمر، مثلا، عند توجيه العناية في الدورة التاسعة إلى “التجريب في مسرح المرأة” فتُرجمت نصوص مسرحيّة تندرج ضمن الموضوع المُحَدّد نذكر منها، على سبيل المثال، “نصوصٌ من مسرح المرأة في بريطانيا، أمّي قالت لا” لشارلون كيالى و” فلنتحدّث عن المرأة ” لفرنكا رامى و”نصوص من مسرح المرأة في الولايات المتحدة” لجوليا مايلز الصادرة سنة 1997. ولا يختلف الأمر في خصوص نشر “عشر نصوص عن مسرحيات النو” في دورة 1995 فبدت ترجمة النصوص المسرحية، بناءً على ذلك، أقرَبَ ما تكون، في الأغلب، إلى وسائل إيضاح تَرْفِد النصوص النقدية والتنظيرية وتدعمُ، في الأغلب، ما يَرِدُ في ما كان يُتَرْجَمُ من الكتب النقدية والنظرية أو تساعد القارئ على استكمال المعارف والمعلومات المقصود إيصالها بمناسبة معالجة الموضوع المُحَدّد.
    وللناظِر في طبيعة الدراسات والبحوث المتعلّقة بممارسة المسرح والتنظير الغالبة على هذه الإصدارات أن يتساءل عن صلتها بسمة الاختصاص التي وقفنا عليها في بداية هذا البحث.
    يبدو التوجه الغالب في انتقاء النصوص المُرشّحة للترجمة محكومة بعدد من الشواغل والتطلّعات ومحكومة بمسارات.
    أمّا الشواغل فيمكن أن نختزلها بالسعي إلى توفير ما به يمكن أن تتغيّر طبيعة الممارسة المسرحية في مصر والبلاد العربية بشكل تتجاوز معه ما استقرّ من العادات والسُّنَن. وبدا الطريق إلى ذلك هو العَمَل على إطلاع القارئ العربي على ما جَدَّ وما يَجِدُّ في مجالات المسرح في العالم، من ناحية، ووضع النصوص المرجعية التي عليها ارتكزت تلك المُستَجدّات أو الناشئة عنها على ذمّة الناطقين بلغة الضّاد، من ناحية أخرى. ويتجلّى التطلّع إلى الشمول أمْرًا حاضِرًا حضورًا مُلِحًّا ويتجلّى ذلك في ملامسة مختلف الأبعاد التي يقوم عليها المسرح وممارسته. وفي السعي إلى مواكبة ما كان يحدث في تلك المجالات من تحوّلات سواء على صعيد “المُمثّل” وإعداده وتقنيات أدائه أو على صعيد الفضاء الركحي والمقاربات السينوغرافية المتجدّدة أو على صعيد الإخراج وموقعه من الفعل المسرحي أو على مستوى الدراماتورجيا والتأليف المسرحي وصلته بالفرجة الحية. ويتجلى التطلّع إلى الشمول كذلك في إصدار كتب تتعلّق بالنقد الفنّي وبمناهج قراءة العروض المسرحية وتقويمها أو بأدوات التحليل وصلتها بمختلف العلوم السانية والاجتماعية؛ ويتجلّى التطلّع إلى الشمول، كذلك، في السعي إلى التعريف بتجارب مسرحية طريفة أو غريبة غير متعارفة رغم تواتر ذكرها في الكتب النقدية والتنظيرية سواء منها القائمة في أوروبا الشرقية والغربية أو في أمريكا الشمالية والجنوبية أو “مسارح الشرق” في آسيا. فليس من باب الصدفة أن تحضُر أهمّ التجارب والمنجزات التي تمّت في السنوات السبعين من القرن العشرين من خلال ما نجم عنها من نصوص تنظيرية ومن خلال دراسات جدّية تناولت تلك التجارب وليس من المستَغْرب أن تَتَجاوَرَ تلك النصوص، على اختلاف منطلقاتها الفكرية ومرجعيّاتها الفنّيّة. يتجاور في هذه المدوّنة النصّية مسرح النو والكابوكي والمسرح الهندي الكلاسيكي مع الحركة الطليعية في المسرح الروسي والمسرح الإيرلندي بالمسرح النسويّ والمسرح الإفريقي مع المسرح الكولمبي… ويتجاور جيرزي قروتفسكي و”المسرح الفقير” مع تاديوش كنتور و”مسرح الموت” ويترافق أوغوستو بوال و”مسرح المقهورين” مع لي ستراسبورج و”منهجه في إعداد الممثل” وتتجاور آن أوبر سفيلد مع رستُم بهاروشا وشتريلر مع ديدرو…
    الناظر في هذه العناوين يقف على مسعى تثقيفيّ غير مرتبط بتوجّه دون غيره ولا بثقافة دون أخرى وإنّما يسعى إلى الكشف على الرصيد الذي قام عليه المسرح في العالم بمختَلَفِ ثقافته ويعمل على تنزيل التجارب في إطارها التاريخي المتحرّك وإبراز سمة الجدل التي تحكم تلك التجارب نشأةً ونُموًّا واندثارًا ؛ فيتجلّى التجريب، على ضوء هذه الإصدارات، مرتبطًا أساسًا بالشرط المعرفي وفي حاجة إل الإلمام بما سبق أن أُنْجز.

بمثابة خاتمة:


تُؤكّد مُتَرْجَماتُ المهرجان توَجُّهًا تثقيفيًّا تنويريًّا لا غُبار عليه وتُبْرِزُ انفتاحًا على تجارب العالم وتحوي دعوةً إلى الإنصات إليه سعيًا إلى اكتشافه والتفاعُل معَه. ويبدو المشرفون على هذا المشروع واعين كلّ الوعي بهذه الشواغل مُنصتين إليه إنصاتًا؛ فلقد كتب سعد أردش، مثلا، في ختام تقديمه لكتاب لفرنكا رامي: ” إنّ إصدارات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي إذ تحتفي بهذه الأعمال التي تُمثِّل قمّة الحداثة، إنّما تضع أمامنا صورة واضِحةً للمسرح في أوروبا وما حقّقه من حرّيّة في التعبير، ومن انتصار على كلّ التابوهات سياسية أو دينية أو اجتماعية أو أخلاقية، كما أنّها تضع أمامنا صورة واضحة لتأثّر أدب المسرح الحديث بكلّ متغيّرات التي أفرزتها نهاية القرن العشرين، وفي مُقدّمتها التطوّر الاقتصادي والتطوّر التكنولوجي ولا شكّ أنّ هذه الإصدارات يُمكن أن تُساهِم في هزّ المياه الراكِدة لمسرح المصري أدبًا وعرضًا إذا ما توفّرنا على دراستها دراسة متأنّية” . وفي ما ذهب إليه سعد أردش ما يدلّ على أن مسألة التجريب والتجريبية في المسرح لا تعنيه في صورتها الصفائيّة والمطلقة بقدر ما يعنيه ما هو كامن وراءها من رؤية للعالم وبنية للمجتمع وعلاقة الفرد به، ويبدو سعد أردش يهفو إليها جميعًا ويودّ أن تُستَوعب من أهله ومِمّن ينتمي إليهم.
ولا يخلو ما كتبه فوزي فهمي رئيس المهرجان لتعليل اختيار”التجريب في مسرح المرأة” من التوجّه ذاته ومن سَعْيٍ إلى فتح آفاق المصريّين والعرب على ما يقع في العالم والانخراط في حراكه فلقد كتب ومن المنطلق ذاته يُقيم مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته التاسعة ندوته الرئيسية حول ” التجريب في مسرح المرأة” والتي تضُمّ نُخبة من الممارسات للإبداع المسرحيّ في قارّات العالم، استِهدافًا لطرح القضيّة النسويّة من منظور الإبداع، كتيّار يرى المرأة إنسانًا مستقِلّاً بذاتِهِ، ويسعى إلى الالتزام بإعادة تنظيم المجتمع بإتاحة الفرصة للأفراد لتطوير ذواتهم، أي بتحرير المرأة والرجل مَعًا خارج علاقات السيطرة، حيث لا تتراجع الذات الإنسانية أو تَختبِئ أو تُقنّع لخلق علاقات إنسانية يحكُمها التنامي المتّزن وتُوفّر شروط الفهم بعيدًا عن التطرُّف والإحساس بالتفوّق، مهما كانت أَوْجُهُ الخلاف” .
إننا، إذْ، لا نُنكِر وَعْيَ المشرفين على هذا المهرجان بالحاجة إلى الإسهام في إغناء مرجعيّات أهل المسرح من المصريّين والعرب في مجالات هذا الفن وآفاق ممارسته وهذا بيّن في ما وقفنا عليه في الفقرات السابقة وهو كذلك جَلِيٌّ في ما كتبه د. فوزي فهمي:” ولأنّ المكتبة العربية تكاد تخلو من مراجع مُترجمة في الموضوع، فقد أصدرنا تِسع ترجمات لأهمّ الكتب التي تناولت هذه القضيّة، تنوّعت ما بين الدراسات والإبداعات النسويّة وتَغايَرت من حيث لغتها الأم” ، إنّنا، إذ لا ننكر ذلك فإنّه لا يُمكن أن يغيب علينا ما شقّ خطابَه من انشغال ببناء مجتمع جديد يقيم للإنسان الفرد موقِعًا رئيسًا في مجتمع متوازن حرّ ومتضامن مع قضايا الإنسان أينما كان.
التطلّع إلى ربط مساعي التنوير بجهود التثقيف بيِّنٌ، إذن، في ما عبّر عنه المشرِفون على هذا المهرجان من غايات وواضح كلَّ الوُضوح في جهود المُسهمين في تأمين صدور هذه المُتَرْجمات. لكن بين التطلُّعات وتحقيقها فارق لا يغيب عن العاقل؛ وفي هذا يكمن المبحث الأساسي الواجب قيامه عند النظر في هذه الإصدارات؛ بتعبير آخر على الباحث أن يتساءل: إلى أيّ حدّ تناغمت اختياراتهم والمسالك التي اتبعوها مع ما كانت تتطلّبه تلك التطلّعات والغايات؟
إنّ الإجابة على هذا السؤال رهين رصد الصدى الذي تركته هذه الترجمات في القُرّاء العرب، وخاصّة منهم أحادييّ اللغة؛ وهي مرتبطة بقياس أثرها في متن اللغة العربية ذاتها. وهو ما يعني حاجة إلى دراسات نوعية تُوَجّه إلى هذه الترجمات تقيس مدى توفيق المترجمين في استيعاب ما ترجموه من المعاني والدلالات وفي قدرتهم على التعبير عنها في اللغة العربية بصورة تُغني رصيد هذه اللغة وتؤهِّلها لتنفتح أكثر على منجزات الآخرين. ولعلّ أهمّ المسائل التي التي يجب أن تشغل الباحثين إنّما هي مسألة المُصطلح، وما أدراك ما المصطلح. فمعلوم أنّ أهمّ ما يعترض سبيل المُترجم عندما يتعلّق الأمر بمجال فنّي أو تقنِيّ بذاته إنّما هو نحت المصطلح المناسب لما هو وارد في لغات الكتب المنقولة ونحت المصطلحات أمْرٌ ليس بالهيّن إذ يتطلّب من المُجتهِد فيه، إضافة إلى الإلمام باللغتين العربية واللغة المنقول منها إلمامًا يسمح له بفهم رقائقها والقدرة على استعمالها، وهو ما تتطلّبه الترجمة مهما كان مجالها، أن يكون من أهل الاختصاص في المجال ومن المُلِمّين برقائقه، من ناحية، ومن المتابعين لما يُنجز في مجال الترجمة المختصّة، من ناحية أخرى؛ ولكنّ يبقى الإشكال الأهمّ، بعد توفُّر الشروط التي ذكرنا، إنما هو في مدى نجاح المُترجم في التواصل مع المترجمين الآخرين السابقين والمعاصرين له ومدى استيعاب اجتهاداتهم في مجال المصطلح؛ فذلك وحده الذي يُمكِن أن يزيل مظاهر التشتّت على صعيد المصطلح المسرحيّ في اللغة العربية. ويتجلّى هذا التشتّت بشكل خاص في أن يُنحت عددٌ كبير من المصطلحات في اللغة العربية للتعبير عن المصطلح الواحد في اللغة المنقول منها. وإذا ما تذكّرنا أنّ المُصطلح حتى يكون كذلك عليه أن يكون أحادِيّ الدلالة، وتعدُّدها في اللغة الواحدة [ والأمر، هنا، يتعلّق باللغة العربية] فإنّه يفقد سمته تلك ولا تتحقّق من الترجمة ما من شأنه أن يُغْنِي اللغة ولا يفتح آفاق مستعمليها. ومن هنا تتجلّى أهمّيّة ما يُمكن أن نُسَمِّيه بجهاز مصطلحيّ مسرحيّ عربيّ.
ما أُنْجِز من التّرْجمات يؤكّد الدور الهامّ الذي قام به هذا المهرجان في لفت الانتباه إلى منجزات الآخر وفي الدعوة إلى استيعابها استيعابًا نقديًّا يقوم على المعرفة التي لا تكون دون جَهدٍ وجِهادٍ وآن الأوان ليتدبَّر الباحثون والمؤرِّخون هذه المُدوّنة النّصّيّة التي أضيفت إلى المكتبة العربية تَدبُّرا يتجاوز ما يُمكن أن تحمله من مضامين، على أهمّتها، إلى الإسهام في بناء هذا الجهاز المصطلحي .

د. محمد المديوني
تونس جوان- جويلية 2018

عن اريج تونس

شاهد أيضاً

التجريد صراع اللون والفراغ تجريب الرمز وانعكاس المفهوم في التجربة التشكيلية لسامية حلبي

التجريد صراع اللون والفراغ تجريب الرمز وانعكاس المفهوم في التجربة التشكيلية لسامية حلبي

  التجريد صراع اللون والفراغ تجريب الرمز وانعكاس المفهوم في التجربة التشكيلية لسامية حلبي  Samia …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: