أخبار عاجلة
الرئيسية /5 الرئيسيه /5 كوميديا ديللارته لقاسم بياتلي: نموذج للمسرح الاحترافي الخالص وابتعاد عن ثقافة الكهنوت
كوميديا ديللارته لقاسم بياتلي: نموذج للمسرح الاحترافي الخالص وابتعاد عن ثقافة الكهنوت
كوميديا ديللارته لقاسم بياتلي: نموذج للمسرح الاحترافي الخالص وابتعاد عن ثقافة الكهنوت

كوميديا ديللارته لقاسم بياتلي: نموذج للمسرح الاحترافي الخالص وابتعاد عن ثقافة الكهنوت

كوميديا ديللارته لقاسم بياتلي: نموذج للمسرح

الاحترافي الخالص وابتعاد عن ثقافة الكهنوت

 

بقلم : مروان ياسين الدليمي 

المصدر :القدس

 

يكتسب هذا الإصدار أهميته لدى العاملين في المسرح إضافة إلى الباحثين والقراء، لأنه يسد فراغا كبيرا في المعلومات حول ظاهرة مسرحية عنوانها «كوميدية دللارته» كانت قد ظهرت في منتصف القرن السادس عشر في إيطاليا ،ومن ثم انتقلت إلى أوروبا، واستمرت حتى منتصف القرن الثامن عشر.

مفهوم الارتجال 

يأتي كتاب «كوميديا ديللارته وتقنيات فن الارتجال» لمؤلفه المخرج قاسم بياتلي في إطار سعيه الأكاديمي لتحديد معنى مفهوم «الارتجال» في عمل الممثل المسرحي، والمسألة التي تأخذ حيزا مهما بالنسبة له تتمثل في تنحية أي كلام عمومي يخلط بين الارتجال وظاهرة عروض الصعاليك المرتجلة التي كانت رائجة في القرون الوسطى، وكانت تقدم في الساحات والأسواق، ويشير في المقدمة إلى آراء تبسيطية خلطت بين هذا الفن ومفهوم التلقائية وربطته بالسلوك الآني في المشهد، وكأنه نوع من الأداء من دون تحضير.

ينطلق بياتلي من سؤالين أساسيين: أولهما، ما حقيقة الارتجال في عمل فرق كوميديا دللارته؟ والثاني ما إشكاليات الارتجال في المسرحي المحترف؟

ولأجل أن يصل إلى نتائج واضحة اعتمد في دراسته على كتابات قديمة لممثلي كوميديا ديللارته، ودراسات حديثة صدرت باللغة الإيطالية، تناولت معطيات طريقة الارتجال والكوميديا المرتجلة. وشمل الكتاب تمهيدا وخمسة فصول وملحقا، في الفصل الأول تناول ملامح تاريخية من مسيرة فرق كوميديا ديللارته. والفصل الثاني تناول كتابات رجالات فرق كوميديا ديللارته، التي تعكس رؤيتهم حول الارتجال في عمل الممثل، والفصل الثالث رصد آليات العرض واستراتيجية عمل ممثلي الفرق الكوميدية في التعامل مع إشكالية الدور والنموذج الذي يؤديه الممثل في العرض. وركز الفصل الرابع على توضيح معالم مفهوم الارتجال وإجراءاته في المسرح. أما الفصل الخامس فتناول أنواع الارتجال، في عمل الممثل أو المخرج في المسرح الأوروبي الحديث.

وأضاف ملحقا احتوى على مقاطع مقتطفة من كتابات ممثلين في كوميديا ديللارته تولى المؤلف ترجمتها من الإيطالية إلى العربية، إضافة إلى نص سيناريو للمؤلف سكالا، بعنوان جنون إيزابيللا، ليكون عوناً للقارئ لمعرفة هيكلية كتابة السيناريو. وفي نهاية الكتاب وضع بعض المصطلحات لها صلة بموضوع الكتاب، إضافة إلى صور لأعلام الممثلين من فرق كوميديا ديللارته، أخرى تعكس جوانب من عملهم.

تاريخ نشوء الكوميديا ديللارتيه

استعان الكتاب في الفصل الأول بدراسات تاريخية حديثة صدرت في إيطاليا في العقد السابع والثامن من القرن العشرين، أشارت إلى تاريخ رمزي لنشوء فرق الكوميديا ديللارته استناداً إلى أول عقد قانوني موقع بتاريخ 25 فبراير/شباط 1545 لتأسيس فرقة مسرحية في مدينة بادوفا الإيطالية، وهذه الوثيقة تظهر أسماء الأعضاء المشاركين في تأسيس الفرقة من أجل إنتاج عروض مسرحية والتجوال بها في أنحاء مختلفة من إيطاليا. على أن يتم توزيع العائد المالي بشكل متساو بين الممثلين، وضمان حصة الممثل في حالة مرضه، ومن يترك العمل طوعيا، فلن يحصل على شيء من المال الذي يوزع في نهاية الموسم. وهنا يضيف بياتلي أن هذه الوثائق حددت الفارق بين عروض الصعاليك والمهرجين، الذين كانوا يتجولون كأفراد، لتقديم عروضهم في الساحات والأسواق قبل ظهور الكوميديا ديللارته بقرون عديدة، وعروض الفرق المسرحية المحترفة التي تقدم لجمهور المدينة الحديثة. ويظهر من وثائق العقود التي يستعرضها الكتاب، أن العديد من الفرق تأسست في منتصف القرن السادس عشر.

يصل الكتاب إلى نتيجة مفادها أن نواة مسرح الفرق نشأت في المجتمع المدني، ولكن عروضها لم تكن النموذج الوحيد في عصر النهضة، فقد تزامن مع مسرح نشأ في الأكاديميات التي انتشرت في تلك الفترة، مع استمرارية المسرح الكنسي الذي يرجع إلى القرون الوسطى. وما كان يميز عصر النهضة الإيطالية وجود احتفالات شكلت البيئة المثالية لأشكال تعبيرية مختلفة ومتجاورة من دون أن تكون هناك علاقة بينها، سوى وجودها في المناسبة نفسها والمكان والزمان نفسه. وقد امتازت بالتنظيم من قبل الفنانين والمختصين في شتى مجالات الفنون: الموسيقى، الأزياء، الرسم، الخطابة، وشكل العرض التمثيلي جزءاً منها. ويتابع البياتلي تطور هذه الاحتفالات المسرحية، ويصل إلى أن المسرح على الطريقة الإيطالية، لم يكن هو الذي يميز مسرح عصر النهضة الإيطالية، بل كان أحد المعطيات الثقافية التي جعلت منه مكاناً للتعبيرات الممكنة، يحتوي ضمنياً على قيم مجازية: صالة مسرح، مشهد، ممثل، سينوغرافيا. ليعبّر عن نفسه من خلال وظائف وأشكال متعددة، تجاوزت حدود النص والتمثيل الدراماتيكي، ليصبح مرآة للحياة، ولكنه في الوقت نفسه ولد من رحم الاحتفالات في قصور الارستقراطية ومن تلاقي مختلف مبادرات المفكرين والفنانين وأصحاب الحرف المتعددة.

يستمر المؤلف في متابعة مسار التطور ليرصد الكيفية التي نشأ فيها مجتمع مصغر تجسدت فيه ظاهرة مسرح حِرفي، من خلال تشكيل فرق كوميديا ديللارته. ويفند الكتاب مزاعم البعض في أن هذا المسرح ليس فيه أسلوب ولا شكل مسرحي تميز به المسرح الإيطالي عن باقي المسارح الأوروبية، وهنا يستعين بياتلي بما جاء على لسان المؤرخ الإيطالي فردناندو تفياني، حيث قال بأن هذا المسرح كان عبارة عن فعل لمجموعة من الأشخاص الذين كونوا مجتمعاً مصغراً حقيقياً في حالة من التجوال، ليعبر عن ثقافة جديدة وتناقضات حيوية في مجتمعهم. واستطاع أن يدافع عن اختلافاته ويواجه قيم المجتمع الكبير الذي كان يعيش فيه. ولم تَقبل هذه المجموعة أن يتم تهميشها، ولم تتخل عن ثقافتها الخاصة، ولا عن كرامتها الإنسانية، واستطاعت أن تفلت من الدور الذي أريد أن يناط بها.

أيضا يستعرض لنا الكتاب ما واجهته فرق كوميديا ديللارتيه من هجوم شنيع من قبل رجال الكنيسة بسبب اختلاط الرجال والنساء والأولاد لمشاهدة عروضهم، ولم يكن ذلك مألوفا آنذاك. وبسبب طرح مواضيع تتطرق للعلاقات الجنسية والحب والعشق بين الجنسين.

مسرح محترف

ثم يستعرض لنا ما شهده عصر النهضة الإيطالية من تحول كبير، بانتقال العرض المسرحي من محيط الاحتفالات والمناسبات إلى إنتاج العروض المسرحية، وتقديمها في أماكن مخصصة مثل، مسارح الأكاديميات المجهزة بالمعدات المسرحية. وكانت فرق كوميديا ديللارته تقدم عروضها في غرف مغلقة يدخلها المتفرجون مقابل دفع مبلغ التذاكر. وكان ذلك تحول من اقتصادية الاحتفالات إلى اقتصادية إنتاج العروض، حسب قول فردناندو تفياني، وشكل ذلك تغييراً جوهرياً في نشوء الاحتراف في مهنة التمثيل، والمهنية في إنتاج العروض المسرحية. ولم تعد مقتصرة على الهواة وأنصاف المحترفين. فبدأت مرحلة جديدة في تاريخ المسرح الحديث في إيطاليا وأوروبا، ربما من أبرز علاماتها نشوء مهنة الممثل المحترف الذي يعمل في الفرقة بشكل متواصل من أجل الحصول على المال. وعلى ذلك سميت عروض فرق كوميديا ديللارته «المسرح المُباع». واستجابة لطلب الجمهور المتزايد في مختلف المدن الإيطالية والأوروبية، كان لابد لهذه الفرق أن تضع استراتيجية خاصة بها من أجل إنتاج عروض مستمرة، وأن تتعامل مع أنواع الأجناس الأدبية مثل النص الدرامي والكوميدي والتراجيدي، والحكايات وكتب الفلسفة والشعر، إضافة إلى ما كان سائدا من أجناس أخرى مثل الدراما الرعوية ـ الغنائية والفواصل والبانتومايم..

يقدم لنا بياتلي أدلة من التاريخ تفند ما شاع من أسطورة حول الكوميديا ديللارتيه تزعم أنها كانت تمثل مسرحاً شعبياً خارج الزمن يقدم في الساحات العامة، ويعتمد على ارتجال عرض جديد في كل ليلة، وأن الممثلين يشخصون أنفسهم بشخصية واحدة ثابتة، ويتماهون وراء قناع واحد، يشار إليهم من خلاله، في حياتهم الشخصية وفي المسرح. بينما لم يكن هذا الكلام الا تخيلا محضا يفنده التاريخ، ليؤكد لنا أنه مسرح احترافي خالص، يستخدم الممثلون النصوص المكتوبة أيضا، وكل ممثل يعمل على تكوين ما يقوله في المشهد، وكل دور يؤديه عبارة عن تنويع جديد. وتأكيدا لهذا الاستنتاج يستعين بياتلي بما أكده فردناندو تفياني بضرورة تشخيص الأسطورة التي انتشرت حول كوميديا ديللارته، والتمحيص في ثنايا ما تقوله الوثائق التاريخية حولها.

 تسميات متعددة لمسرح واحد

وفي إطار تتبعه لمصطلح كوميديا ديللارتيه يطلعنا على مجموعة تسميات أطلقت على هذه الفرق، وتفسيره لدوافعها، مثل: كوميديا المرتزقة، كوميديا الارتجال، الكوميديا الإيطالية، كوميديا الأقنعة. فالتسمية الأولى يجدها مهنيّة لأن الهدف من العرض الربح المالي، وليس الابتكار. والثانية لعدم وجود ريبرتوار للنصوص المكتوبة، والثالثة تمت صياغتها خارج إيطاليا، في الأماكن التي كانت تقدم فيها عروضها، والرابعة تؤكد تقاليد ذلك الجنس الفني لاحتوائها على نماذج ثابتة ونوع من الإيماءات والأقنعة مشفوعة بالأزياء، إضافة إلى لغة خاصة بالعمل، وخصال أخرى ثابتة لا تتغير. ويضيف في هذا السياق أن التسميات الأربعة جاءت حسب قول تفياني، من خارج بيئة الفرق المسرحية المحترفة لكوميديا ديللارته، وعكست مواقف الأخلاقيين المتزمتين والأكاديميين، والأجانب من المتحمسين لذلك، أما الممثلون الكوميديون فكانوا يدعون طريقة عملهم «كوميديا ديللارته. ويستخدمون مفردة «آرته» قاصدين بها عوائل الممثلين الكوميديين الذين ولدوا من آباء ممثلين. وعندما استخدم هؤلاء «كوميديا ديللارته» كانوا يقصدون: «الكوميديا التي نقوم بها نحن، والمصنوعة من قبيلنا نحن، وعلى طريقتنا نحن».

وفي ما يتعلق باستخدام مصطلح كوميديا ديللارته بشكله المألوف اليوم، فيشير إلى أنه جاء متأخراً، وذلك من خلال تبني كارلو غولدوني له، في نصه المعنون «المسرح الكوميدي» الذي كتبه سنة 1750، وبرمج فيه نوعاً من المسرح داخل المسرح، واستخدم هذا المصطلح في هذا النص للإشارة إلى الكوميديا التي كان يتم إنتاجها على طريقة الممثلين الكوميديين. إلاَّ أن غولدوني كما يشير المؤلف قد استخرج مصطلح كوميديا ديللارته من اللغة الخاصة بتلك الفرق، بقصد الازدراء منهم، ويظهر ذلك في النص نفسه، واستمر هذا التفكير في المسرح الحديث بعد غولدوني، وانتشر في العالم.

مواجهة الكنيسة والأكاديميين

أيضا يستعرض لنا الكتاب ما واجهته فرق كوميديا ديللارتيه من هجوم شنيع من قبل رجال الكنيسة بسبب اختلاط الرجال والنساء والأولاد لمشاهدة عروضهم، ولم يكن ذلك مألوفا آنذاك. وبسبب طرح مواضيع تتطرق للعلاقات الجنسية والحب والعشق بين الجنسين. كذلك لظهور المرأة /الممثلة على خشبة المسرح إلى جانب الرجل /الممثل، إضافة إلى عدم استخدام معاير ومقايس مألوفة في تأليف النصوص، واعتماد الارتجالات التي لا يمكن خضوعها لمراقبة سلطة الكنيسة، هذا إضافة إلى جذب عامة الناس في أيام الأحد إلى عروضها وإبعادهم عن الصلاة في الكنيسة. كما هاجمها الأكاديمييون لأن بنية عروضهم الدراماتورجية حسب زعمهم لم تصطف مع مقاييس المسرح المألوف الذي كان يقدم في داخل الأكاديميات.

كتابات الممثلين

في الجانب الآخر يعرض لنا وجهة نظر أخرى مناقضة لقناعات رجال الكنيسة والأكاديميين اعتمادا على كتابات الممثلين، حيث يشير إلى أننا لو نظرنا بتمعن إلى كتابات الممثلين في كوميديا ديللارته مثلما فعل بعض الأكاديمين في إيطاليا في سبعينيات القرن العشرين سنكتشف رؤية غير متوقعة في طريقة عملهم التي تقترب من عمل الفرق المحترفة في المسرح الحديث. يلخص المؤلف رؤيته فيجد أن ظهور هذه الفرق يمثل بُعداً اجتماعياً وثقافياً ارتبط بالتحولات التاريخية في المجتمع الإيطالي والأوروبي في فترة بروز نواة الطبقة البورجوازية. وبهذا ابتعدت عما هو مألوف في ثقافة المجتمع الارستقراطي، وعن تقديم العروص في مناسباتها فقط، وابتعدت عن ثقافة الكنيسة التي وظفت المسرح لنشر تعاليمها الكاثوليكية، وفتحت الطريق لثقافة مسرحية جديدة على مستوى المفاهيم وطرق إنتاجها للعروض.

 

«كوميديا ديللارته وتقنيات فن الإرتجال في المسرح»: قاسم بياتلي. إصدار الهيئة العربية للمسرح 2018 .. عدد الصفحات 114

 

عن اريج تونس

شاهد أيضاً

مسرح السنديانة : يقدم البرمجة الفنية الكاملة لموسم الثقافي 2020  

مسرح السنديانة : يقدم البرمجة الفنية الكاملة لموسم الثقافي 2020  

مسرح السنديانة : البرمجة الفنية الكاملة لموسم الثقافي 2020     كشفت مديرة الفضاء الثقافي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: